محمد هادي معرفة
105
التمهيد في علوم القرآن
موضع ، وتابعة لقصر الفواصل وطولها ، كما هي تابعة لانسجام الحروف في الكلمة المفردة ، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة . . . فإننا نؤثر أن نتحدّث عن هذه الظواهر كلّها مجتمعة . جاء في القرآن الكريم وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ « 1 » وجاء فيه حكاية عن كفار العرب : بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ « 2 » . وصدق القرآن الكريم ، فليس هذا النسق شعرا . ولكن العرب كذلك لم يكونوا مجانين ولا جاهلين بخصائص الشعر ، يوم قالوا عن هذا النسق العالي : إنّه شعر ! لقد راع خيالهم بما فيه من تصوير بارع ؛ وسحر وجدانهم بما فيه من منطق ساحر ، وأخذ أسماعهم بما فيه من إيقاع جميل . وتلك خصائص الشعر الأساسية ، إذا نحن أغفلنا القافية والتفاعيل . على أنّ النسق القرآني قد جمع بين مزايا النثر والشعر جميعا . فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة والتفعيلات التامة ، فنال بذلك حرّية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة . وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر ، الموسيقى الداخلية ، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل ؛ والتقفية التي تغني عن القوافي ، وضمّ ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا ، فشأن النثر والنظم جميعا « 3 » وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه ، يبرز بروزا واضحا في السور القصار ، والفواصل السريعة ، ومواضع التصوير
--> ( 1 ) يس : 69 . ( 2 ) الأنبياء : 5 . ( 3 ) يقول الدكتور طه حسين : إنّ القرآن ليس شعرا وليس نثرا . إنّما هو قرآن ! ولسنا في حاجة إلى هذا اللعب بالعبارات ، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربيّة كما ينبغي . ولكنّه نوع ممتاز مبدع من النثر الفني الجميل المتفرّد .